محمد بن جرير الطبري

286

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

الأخرى في المجادلة : ( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) [ سورة المجادلة : 16 ] . فأخبر جل ثناؤه أنّ المنافقين - بقيلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع اعتقادهم فيه ما هم معتقدون - كاذبون . ثم أخبر تعالى ذكره أنّ العذاب المُهينَ لهم ، على ذلك من كذبهم . ولو كان الصحيح من القراءة على ما قرأه القارِئون في سورة البقرة : " ولهم عذاب أليم بما كانوا يُكَذِّبون " لكانت القراءةُ في السورة الأخرى : " والله يشهدُ إن المنافقين " لمكذِّبون ، ليكون الوعيدُ لهم الذي هو عَقِيب ذلك وعيدًا على التكذيب لا على الكذب . وفي إجماع المسلمين على أنّ الصواب من القراءة في قوله : " والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون " بمعنى الكذب - وأن إيعاد الله تبارك وتعالى فيه المنافقين العذابَ الأليمَ على ذلك من كذبهم - أوضحُ الدّلالة على أن الصحيح من القراءة في سورة البقرة : " بما كانوا يَكْذِبون " بمعنى الكذِب ، وأن الوعيدَ من الله تعالى ذِكره للمنافقين فيها على الكذب - حقٌّ - لا على التكذيب الذي لم يجر له ذِكر - نظيرَ الذي في سورة المنافقين سواءً . وقد زعم بعضُ نحويِّي البصرة أن " ما " من قول الله تبارك اسمه " بما كانوا يكذبون " ، اسم للمصدر ، كما أنّ " أنْ " و " الفعل " اسمان للمصدر في قولك : أحب أن تَأتيني ، وأن المعنى إنما هو بكَذبِهم وتَكْذِيبهم . قال : وأدخل " كان " ليخبر أنه كان فيما مضى ، كما يقال : ما أحسن ما كان عبدُ الله ، فأنت تعجَبُ من عبد الله لا من كونه ، وإنما وَقع التعجُّب في اللفظ على كوْنه . وكان بعض نحويِّي الكوفة يُنكر ذلك من قوله ويستخطئه ، ويقول : إنما ألغِيَت " كان " في التعجُّب ، لأن الفعل قد تقدَّمها ، فكأنه قال : " حَسَنًا كان زيد " و " حَسَن كان زَيْدٌ " يُبْطِلُ " كان " ، ويُعْمِل مع الأسماء والصِّفات التي بألفاظِ الأسماء ، إذا جاءت قبل " كان " ، ووقعت " كان " بينها وبين الأسماء . وأما العِلَّة في إبطالها إذا أبطِلت في هذه الحال ، فَلِشَبَهِ الصِّفات والأسماء ب‍ " فعل " و " يفعل " اللتين لا يظهرُ عمل